ابراهيم بن عمر البقاعي
32
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يحذف من كل منهما شيء إيجازا ، يدل ما ذكر من كل على ما حذف من الآخر ، وبعبارة أخرى : هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازا ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه . ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله : يَرَوْنَهُمْ وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن ، وانتزع منه حالا ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير : ظانيهم مِثْلَيْهِمْ فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى : ترون أيها المخاطبون الكفار المقاتلين للمؤمنين ، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى : يرى المسلمون الكفار مثلي المسلمين رَأْيَ الْعَيْنِ أي بالحزر والتخمين ، لا بحقيقة العدد ، هذا أقل ما يجوزونه فيهم ، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم اللّه على مصادمتهم ونصرهم عليهم ، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على الثلث من عدتهم ، كما هو المشهور في الآثار تأييدا من اللّه سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا ، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد المسلمين - قال الحرالي : لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر والإيمان الباطن ، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتا ، وبما هو مؤمن ذاتا ، فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [ الأنفال : 66 ] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين ، لا ذات قلب له ، فكان المؤمن ضعفه ، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة على ما هي عليه شهادة من اللّه سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم ، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل اللّه بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة ، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل ، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 65 ] انتهى . وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره ، وقبل اللقاء وبعده ، لما أراد اللّه سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية الأنفال ، والمعنى : إنا فاعلون بكم أيها الكفار على أيديهم ما فعلناه بأولئك ، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم ، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا ، ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن اللّه سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ المائدة : 100 ] . ولما كان التقدير : فنصر اللّه سبحانه وتعالى الفئة القليلة ، عطف عليه قوله : وَاللَّهُ أي الذي له الأمر كله يُؤَيِّدُ والأيد تضعيف القوة الباطنة بِنَصْرِهِ قال